تلمســــــان التطور التاريخي والعمراني
بسم الله الرحمن الرحيم
في هذا الموضوع سنتعرف على مدينة من المدن الجزائرية التي شهذت أرضها الكثير من الأحداث التاريخية وشيدت عليها معالم تاريخة ومباني أثرية مازالت شامخة الى يومنا والتي تحكي في صمت على ماضي المدينة التي عرفت بعاصمة المغرب الأوسط وكذا بلؤلؤة المغرب العربي.
تلمسان - تلمســان التطور التاريخي والعمراني- مدينة عريقة في التمدن اختلفت الآراء في أصل تسميتها،فحسب يحي ابن خلدون يتألف اسم تلمسان من كلمتين بربريتين هما "تلم " ومعناها تجمع و"سان" ومعناها "اثنان " ومعناهما تجمع اثنين الصحراء والتل وهذا ما جاء به الباحث يحي بوعزيز.
أما جورج مارصي فيعتقد أن اسم تلمسان من البربرية تلا ومسان، ومعنى كلمة تال عنده المنبع وامسان وبمعني الجاف لتصبح كلمة تلمسان " المنبع الجاف"
وقول يقول بأنها تحريف صيغة الجمع من تلمسين بكسر وسكون فكسر ومفرده تلماس ومعناه جيب ماء أو منبع فيكون اسم تلمسان بمعنى مدينة الينابيع .
أما ما درج عند العامة بكونها كلمة عربية مركبة من كلمتين تلم –تجمع- وإنسان لتصبح تلمسان ."مجمع الناس" رغم انه لا يوجد له سند علمي أو تاريخي.
ولم تحمل دائما تلمسان هذا الاسم بل كانت تسمى بوماريا وأغادير ثم تاكرارات كما كنت بعدة كنى منها الجدار ولؤلؤة المغرب وعروس المتوسط .
تحتل المدينة موقعا استراتيجيا هاما ،فهي تقع بين الشرق والغرب الأندلسي ، والشمال التلي والجنوب الجزائري، هذا ما جعلها نقطة هامة لطرق القوافل التجارية بين التل والصحراء ، ومحطة عبور لقوافل الحجاج الذين يغدون ويروحون بين بلدان المشرق من جهة ، وبلدان المغرب والأندلس من جهة أخرى لأداء فريضة الحج.
ومن الناحية الطبيعية فإنها تتميز بظروف طبيعية ملائمة لاستقرار الإنسان، فهي تقع على السفوح الشمالية لمرتفعات تلمسان، هذه المرتفعات التي تحميها من الرياح الجنوبية الجافة، التي تؤثر سلبا على المزروعات، كما تجعلها في مأمن من غزوات البدو الذين يتنقلون في منطقة الإستبس.
تلمســــــان التطور التاريخي والعمراني
أن التاريخ القديم لمدينة تلمسان وكثير من مدن غرب الجزائر ) موريطانيا القيصرية( يبقى محفوفا بالغموض، لعدم اهتمام المؤرخين والجغرافيين الكلاسيكيين بهذه المنطقة، لأسباب سياسية وطبيعية وبشرية، كما أن استمرار الحياة في نفس المراكز تسبب في اختفاء الآثار المادية فالمدينة الزيانية بنيت تقريبا على أنقاضها، وبالحجارة الرومانية، مما تسبب في اختفاء آثار الشعوب السابقة التي استقرت بالمنطقة.
صاحب التغلغل الروماني ببلاد المغرب القديم إكساب المدن، والقرى طابعا رومانيا في إطار سياسة الرّومنة التي انتهجتها روما إزاء الشعوب الخاضعة لسلطتها، بحيث أصبحت المدينة من بين التنظيمات العمرانية الهامة، وكان المنزل من العناصر المشكلة لها، فهو المقياس الذي يحدّد الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمدينة والفرد.
أما المؤرخون والجغرافيون المسلمون، فقد ركزوا على تاريخ المنطقة في الفترة الإسلامية، وأهملوا الفترة العتيقة إذ لا نجد إلا بعض الإشارات العابرة من حين إلى آخر. نتيجة لكل ذلك لم يجد المؤرخون المعاصرون مادة كافية يعتمدون عليها في دراسة تاريخ منطقة تلمسان في العصور القديمة .ومع مجيء الإسلام فتحت تلمسان على يدي أبي المهاجر دينار عندما قدم إليها لتفريق التحالف البيزنطي البربري تحت زعامة كسيلة الذي تجمع بنواحي تلمسان استعدادا لحرب المسلمين.
وفي الفترات الإسلامية بدأت الحركة العمرانية تعرف نشاطا هاما وخاصة في عهد المرابطين وذلك عندما أسس يوسف بن تاشفين مدينة تاجرارت سنة 474 هـ بإزاء المدينة القديمة أجادير فأصبحت أهم مدن المغرب الأوسط ونشط العمران وشيد وجهاء لمتونة وأمراؤهم المباني الجميلة الضخمة.
وخلال عهد الموحدين شهدت المدينة تطورا هائلا في الحضارة والعمران [1]فأصبحت مقر ولاة المغرب الأوسط وعني هؤلاء بتحصينها فأقاموا أسوارها وشيدوا المنازل الضخمة والقصور كما قال ابن خلدون "وصرف ولاة الموحدين السادة نظرهم واهتماماتهم بشأنها إلى تحصينها وتشييد أسوارها ، وحشد الناس إلى عمرانها و التناغي في عمرانها واتخاذ الصروح والقصور بها والاحتفال في مقاصد الملك واتساع خطة الدور وخصوصا أثناء ثورة بني غانية التي قامت في بداية عهد يعقوب المنصور وشغلت الدولة الموحدية طيلة نصف قرن مما أدى إلى تخريب مناطق كثيرة ومدن عديدة بافريقية والمغرب الأوسط وقد سلمت تلمسان من خطر بني غانية بفضل شساعتها فتواصلت حركة العمران بها ولجأ إليها كثير من أهالي المدن الأخرى التي خر بها بنو غانية فكثر الصناع والتجار بها وعظم شأنها .
لما أسس بنو عبد الواد إمارتهم أصبحت تلمسان إحدى عواصم المغرب وقطعت أشواطا بعيدة في ميدان الفنون والعمران وقصد ها كثير من أرباب الصنائع من مختلف مدن المغرب والأندلس فبلغت درجة سامية من الرقي والازدهار .
فمنذ العصور القديمة شيد بنو يفرن الزناتيون قرية أغادير التي تعتبر النواة الأولى لمدينة تلمسان فكانت هي والمناطق المجاورة لها منطقة التوطن لقبيلة زناتة الكبيرة ذات الفروع المتعددة وثاني القبائل القوية بالمغرب العربي بعد صنهاجة وتليهما كتامة ومن أهم فترات تعمير المدينة تشييد حي تاكرارت الذي يقع في الجهة الجنوبية الغربية من أغادير بني من طرف ابن تاشفين وهو حي سكني يأوي فيه أشراف المرابطين من صنهاجة فكانت في بداية الأمر مفصولة بسور عن أغادير ثم بعد مدة من الزمن أزيل هذا السور وضمت تاكرارت إلى أغادير وتكونت منهما مدينة تلمسان الحالية .
و تطور الحي السكني بسرعة إلى حي تجاري استحوذ على مقر الولاية ابتداء من الفترة المرابطية. فتوسعت رقعة المدينة من جهة الجنوب الشرقي في عهد الموحدين1147 - 1235 م، مع احتفاظها بمقر الولاية.
وتم توسيع رقعة المدينة من الناحية الشرقية في الفترة الزيانية 1232 م من طرف يغمراسن وهذا لاستقبل العائلات الأندلسية فتم تعمير المنطقة الموجودة بين قلعة المشور وحي الرحيبة ،ثم تم تشييد القيسارية بالحي التجاري المحاذي لمركز المدينة وغير بعيد عن الجامع الكبير في سنة 1286 م من طرف السلطان عثمان بن يغمراسن بعقد معاهدة تجارية مع مملكة أرغون ما أدى إلى تحفيز الجمهوريات المسيحية على التنافس بتشييد المزيد من الفنادق داخل المدينة .
وكان أبو حمو موسى الأول أول من قام بالتهيئة العمرانية للجهة الغربية من المدينة مع تخصيص الجزء الشمالي للقبائل الرحل، أما الجزء الجنوبي فقدمه للقبائل المستقرة من الجهات الشرقية للبلاد، وبالجزء الجنوبي شيّد أولى مدارس تلمسان.و ذلك سنة 1307، و في أواسط القرن السادس عشر، اكتمل النسيج العمراني للمدينة من قبل العثمانيين الذين أعادوا استغلال الجزء الشمال الغربي من المدينة )حي باب الحديد( مع إعادة الاعتبار لضواحي المدينة )الحرطون، كدية العشاق وغرس الباي(،
إلا أن المدينة بفقدانها مكانتها السياسية، ضيّعت أيضا مكانتها الاقتصادية، نتيجة اهتمام السلطة بأمور البحر، وبالتالي لم يطرأ الجديد في النسيج العمراني. رغم هذا ستحتفظ المدينة بمكانتها الثقافية.وعند احتلال المدينة سنة 1842 ، أدخلت السلطات العسكرية تغييرات جذرية على عمران تلمسان مستهدفة مقوماتها الأمية، فاخترقت الأحياء السكنية ودمرت المعالم الحضارية من مدارس ومساجد بدعوى تحديث النسيج العمراني.
أما الأمر الذي أدّى إلى تحطيم البنية التحتية للتهيئة العمرانية القديمة كل هدا تجسد في سياسة توسيع الشوارع وسياسة نزع الملكية، من الإسكان . فنتج عن كل هذا زعزعة نسقية للمظهر العمراني، وانمحت بالتالي وظيفتا اتخاذ القرار والاقتصاد، ومن ثم صارت المدينة تدريجيا لا تفي بحاجات سكانها الذين تخلوا عنها فتسارع تدهورها.
وفي الختام نتمنى منكم المساهمة في اثراء هذا الموضوع
بالتعليقات والآراء والاقتراحات .
ودمتم في رعاية الله وحفظه.




ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق